حسن الأمين

231

مستدركات أعيان الشيعة

2 - استغلال هشام لفكرة النور ، وجعله النور المدى الأقصى الذي يمكن تشبيه الأجسام به . إن الكاتب لم يفسر في كتاب « الصلة . . . » ( فكرة النور ) ولكنه في كتاب « الفكر الشيعي » ذكرها بقوله : إن حركة الغلو شرعت للتصوف ( فكرة النور الإلهي ) الذي ينتقل عن طريق الأنبياء والأئمة من الله إلى قادتهم ( 1 ) وأعاد نفس الجملة في حديثه عن الشلمغاني ( 2 ) وذكر أن الحلاج وصف النور الإلهي بالشعشعاني ( 3 ) ولم يذكر مصدرا يذكر فيه النور مرتبطا بنظرية هشام في التجسيم ! لكني وجدت ذكر النور في عرض حديثهم عن هشام في المصادر التالية : قال الحميري : قال هشام بن الحكم من القطعية - ومن قال بقوله - : هو شيء جسيم ، لا طويل ولا عريض ، نور من الأنوار . . . ( 4 ) وقال ابن أبي الحديد : وأصحابه من الشيعة يدفعون - اليوم - هذه الحكايات عنه ، ويزعمون أنه لم يزد على قوله : « جسم لا كالأجسام » وأنه إنما أراد باطلاقه هذه اللفظة عليه « إثباته » وصدقوا عنه أنه كان يطلق عليه كونه « نورا » لقول الله سبحانه : * ( « الله نور السماوات والأرض ، مثل نوره . . . » ) * ( سورة النور ( 24 ) الآية ( 35 ) ) ( 5 ) وهذا بمجرده ، لا يقتضي أن تكون هناك - عند هشام خاصة - فكرة النور ، ولا أن تكون هذه الفكرة من تراث الشيعة ، دون باقي المسلمين ! ! فالفكرة - إن صح التعبير - موجودة في الآية القرآنية ، و « النور » أطلق على البارئ تعالى بنص القرآن ، وأهل السنة وأصحاب الحديث يلتزمون بإطلاق « النور » عليه تعالى استنادا إلى نفس الآية ( 6 ) وكذلك بعض كبار المعتزلة ( 7 ) فمن أين أصبحت هذه الفكرة شيعية خاصة ؟ ! ثم من أين جاء الكاتب بدعوى أن هشاما استغل هذه الفكرة في سبيل نظريته في التجسيم ؟ ! وإذا جاء شيء في حق الحلاج والشلمغاني وأمثالهما ، فهل يحق لأحد أن ينسبه إلى كل الشيعة ؟ ! نعم ، إن ابن أبي الحديد نسب إلى هشام بن سالم - وليس ابن الحكم - القول بان الله « نور » على صورة الإنسان ، مع أنه أنكر أن يكون « جسما » ( 8 ) ونسب الشهرستاني ذلك إلى محمد بن النعمان مؤمن الطاق ( 9 ) فنسبة ما ذكره الكاتب إلى هشام بن الحكم دعوى عريضة ، لم تذكر في أي مصدر . مع أن هذه النسبة تعني أن هشاما كان بصدد تشبيه الذات الإلهية بالجسم النوري ، بينما مقولة هشام « جسم لا كالأجسام » - كما عرفنا - بصدد تنزيه البارئ - سبحانه - من كل شبه بالأجسام ، سواء الأجسام اللطيفة أو غيرها ، ونفى عنه كل خواص الأجسام من المواد أو الأعراض ، فنسبة الكاتب اللطافة ، أو المعنى المادي ، إلى هشام ينافي ذلك ويناقضه ، ويعارض ما ثبت نسبته إلى هشام . 3 - 5 - اعتبار هشام للنور « جسما لطيفا » . وجعل هشام ما ليس مادة - كالعلوم والحركات - أجساما . وبدل المعنى المجرد بالكائن المجرد في لطافة الجسم . إن نسبة هذه الأفعال : ( الاعتبار ) و ( الجعل ) و ( التبديل ) إلى هشام ، انفرد بها هذا الكاتب حيث لم نجد لها أثرا في المصادر المتوفرة للبحث عن هشام ، بل ما وقفنا عليه من المصادر يدل على ضد النسبة الثانية : فقد صرحت كتب المقالات بان هشاما نفى أن تكون الحركات أجساما : قال الأشعري : حكي عنه أنه قال : هي ( أي أفعال الفاعلين ) معان وليست بأشياء ولا أجسام ، وكذلك قوله في صفات الأجسام ، كالحركات ، والسكنات ، والإرادات ، والكراهات ، والكلام ، والطاعة ، والمعصية ، والكفر ، والايمان ( 10 ) بل الذي قال بان الحركة جسم ، هم معارضو هشام وخصومه ، كجهم ( 11 ) وأقرب إلى ذلك النظام الذي قال : إن الصوت جسم ( 12 ) وفرقة من المعتزلة التي زعمت : أن كلام الله جسم ، وأنه مخلوق ( 13 ) ومن قال منهم برؤية الأعراض ( 14 ) وأما ما نسبه إلى هشام من تبديل المعنى المجرد بالكائن المجرد : فلم يذكر الكاتب أنه من أين أخذه ؟ هل وجده في مصدر ؟ أو أنه أخذه من آراء أخرى لهشام فاستنبط هذا منها ؟ كما أنه لم يذكر وجه هذا التبديل ! فان المعنى المجرد هو موجود ذهني لا يمكن تحققه في الخارج ، والكائن المجرد هو موجود خارجي وإن كان جسما لطيفا ، فما معنى تبديل هذا بذاك ؟ وما هو دليله ؟ ! وهكذا يسطر الكاتب مقدمات من نسج خياله ، وينسبها إلى هشام ، ليبني عليه رأيه المنهار ، وينسبه - بكل صلافة - إلى هشام . 6 - صارت الجسمية اعتبارا عقليا خالصا ، ليس إلى تلمسه سبيل ،

--> ( 1 ) الفكر الشيعي : 26 . ( 2 ) الفكر الشيعي : 202 نقلا عن معجم الأدباء 1 / 235 . ( 3 ) الفكر الشيعي : 312 ، نقلا عن الفهرست - للنديم - : 190 . ( 4 ) الحور العين : 148 . ( 5 ) شرح نهج البلاغة 3 / 224 . ( 6 ) مقالات الإسلاميين 1 / 260 . ( 7 ) مقالات الإسلاميين 2 / 192 . ( 8 ) شرح نهج البلاغة 3 / 224 . ( 9 ) الملل والنحل 1 / 187 . ( 10 ) الفكر الشيعي : 26 . ( 11 ) مقالات الإسلاميين 2 / 32 . ( 12 ) مقالات الإسلاميين 2 / 101 . ( 13 ) مقالات الإسلاميين 1 / 245 . ( 14 ) مقالات الإسلاميين 2 / 46 .